السيد محمد تقي المدرسي
350
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
محالة - كائناً ومستفيضاً وهو غير مناف لذات المبدأ الأول ( جل اسمه ) لأن ذاته كل الخيرات الوجودية « 1 » . وكما يبدو لنا أن هذا المبدأ هو التسلسل الطبيعي لقدم الإرادة ، ولأنها عين ذاته ، فمادامت الإرادة عين ذات الحق فهي ليست فقط قديمة ، بل وأيضاً لا تتغير ، ولذلك فإن إرادة الحق للخلق إرادة ضرورية وهي واجبة ، وصدور الأشياء منه كصدور الأشعة من الشمس - كما مثل مبدع نظرية الفيض الشيخ اليوناني أفلوطين - إلا بفارق واحد ، هو أن الشمس لا تعي الأشعة التي تصدر منها ، والله ( سبحانه عما يقول الجاهلون ) يعي ذلك ، ووعيه لصدور الأشياء ، هو عين إرادته ، أما أنه هل يستطيع أن يوقف الصدور ؟ فإنهم يقولون : كلا . وكما نرى : أن سلسلة النفي والتجريد وصلت عند ملا صدرا ومثل سابقيه من الفلاسفة ابتداءً من أفلوطين واستمراراً مع الفارابي ، إلى تصور الخالق تصوراً قريباً جداً من تصور المادة الأولى ( الهيولي ) عند قدماء اليونان . فماذا بقي للإله وقد جردناه باسم أو بآخر عن قدرته في الأشياء ، بل في اختياره الأول لصدور الأشياء منه . ويبدو أن ملا صدرا قد تنبه إلى مدى الفجوة التي ظهرت في نظريته فأراد حلها فقال : ولعلك تقول إذا كانت الضرورة الإلهية أزلية كان ( لا صدور العالم ) ممتنعاً بالذات ، فيلزم أن يكون ( صدوره ) واجباً بالذات ، وذلك ينافي إمكان وجوده بالذات « 2 » . وهكذا انتقد نفسه بما يلي : أن وجود العالم في رأيه لم يتحقق إلا بعد تحوله إلى واجب ، وفق قاعدته المعروفة : ( الشيء ما لم يجب لا يوجد ) . وإذاً فهو ليس بممكن ، لأن عدم وجوده أصبح آنئذٍ ممتنعاً . وتصدى للإجابة عن هذا الاعتراض بكلام طويل نختصره فيما يلي :
--> ( 1 ) ( الأسفار ، ج 8 ، ص 316 - 317 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 328 .